الشيخ الطبرسي

406

تفسير مجمع البيان

المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المنافقين - . ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل . ثم إن رسول الله انطلق إلى الصخرة ، وهو يدعو الناس ، فأول من عرف رسول الله كعب بن مالك ، قال : عرفت عينيه تحت المغفر ، تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين ! أبشروا فهذا رسول الله . فأشار إلي أن أسكت . فانحازت إليه طائفة من أصحابه ، فلامهم النبي على الفرار ، فقالوا : يا رسول الله ! فديناك بآبائنا وأمهاتنا . أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا ، فولينا مدبرين . فأنزل الله تعالى : ( وما محمد إلا رسول ) الآية . المعنى : ثم بين سبحانه أنه لا ينبغي أن يترك أمر الله تعالى ، كان الرسول بين أظهرهم ، أو لم يكن ، فقال : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) يعني أنه بشر اختاره الله لرسالته إلى خلقه ، قد مضت قبله رسل ، بعثوا فأدوا الرسالة ومضوا وماتوا ، وقتل بعضهم ، وأنه يموت كما ماتت الرسل قبله ، فليس الموت بمستحيل عليه ، ولا القتل . وقيل : أراد أن أصحاب الأنبياء لم يرتدوا عند موتهم ، أو قتلهم ، فاقتدوا بهم . ثم أكد ذلك فقال ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) معناه : أفإن أماته الله ، أو قتله الكفار ، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم . فسمي الإرتداد انقلابا على العقب : وهو الرجوع القهقري ، لأن الردة خروج إلى أقبح الأديان ، كما أن الانقلاب خروج إلى أقبح ما يكون من المشي . والألف في قوله ( أفإن مات ) : ألف إنكار صورته صورة الاستفهام ، ومثله : أتختار الفساد على الصلاح ، والخطأ على الصواب . وفي قوله ( مات أو قتل ) : دلالة على أن الموت غير القتل ، لأن الشئ لا يعطف على نفسه . فالقتل هو نقض بنية الحياة . والموت : فساد البنية التي تحتاج إليها الحياة ( 1 ) . وقيل : الموت معنى يضاد الحياة ، والصحيح الأول ( ومن ينقلب على عقبيه ) يعني من يرتد عن دينه ( فلن يضر الله شيئا ) لأنه لا يجوز عليه المضار ، بل مضرته عائدة عليه ، لأنه مستحق للعقاب الدائم ( وسيجزي الله الشاكرين ) أي : يثيب الله الشاكرين على شكرهم ، لنعم الله واعترافهم بها . وقيل : المراد بالشاكرين المطيعين ، لأن الطاعات هي شكر الله على نعمه ، وهذا يتصل بما قبله اتصال الوعد

--> ( 1 ) [ قيل فيه معان تضاد المعاني التي تحتاج إليها الحياة ] .